هجرة الرسول في الكتب.. ماذا قال عنها المازنى والرافعى؟ – شعاع نيوز

وصل النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة في مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 622م، في هجرته هناك من مكة. وقد تناولت الكتب الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وهنا نذكر ما قاله الرافعي والمازني.

يقول مصطفى صادق الرافعي في كتاب إلهام القلم: نشأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وتنبأ وهو ابن أربعين سنة، وقضى ثلاث عشرة سنة يدعو الله قبل ذلك. فهاجر إلى المدينة المنورة، فلم يكن في ابتداء الإسلام رجل وامرأة وصبي: وأما الرجل فهو هو. وأما المرأة فزوجته خديجة، وأما الصبي فهو ابن عمه علي أبو طالب.

ثم إن أول ظهور في الإسلام كان حرا وعبدا: فأما الحر فأبو بكر، وأما العبد فهو بلال. ثم كان النمو متسقاً شيئاً فشيئاً مع بطء الهموم في سيرها، وصبر الإنسان الحر في نضاله. وكأن التاريخ ساكناً لا يتزحزح، يضيق ولا يتسع، ساكناً لا ينمو. وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخو الشمس: يطلع كل يوم وحده. وحتى إذا كانت الهجرة متأخرة، وانتقل الرسول إلى المدينة المنورة، بدأت الدنيا تهتز، كأنه مرر قدمه فوق وسطها فحركها؛ وقد رسمت خطواته أثناء هجرته على الأرض، وسجلت معانيها في التاريخ. وهي المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق والمغرب.

وكان بمكة يقدم الإسلام للعرب كما يقدم الذهب للمتوحشين: رأوا فيه بريقاً وإشراقاً، فلم يكن له قيمة، ولم تكن لهم حاجة إليه، وهي حاجة بني آدم. إلا المتوحشين، وكانوا في معارضة ومعارضة حمقاء، ووصل تحقيق دعوته إلى حد الأوهام والخرافات، كما يكون المريض في مثل حاله. صدره مع من يدعوه في ليلة حارة ليشفي جسده بأشعة النجوم؛ وكانت مكة هذه صخرة جغرافية متصدعة لا تنكسر، وكأن الشيطان نفسه هو من وضع هذه الصخرة على مر الزمن ليصد التاريخ الإسلامي عن العالم وأهله.

يقول إبراهيم عبد القادر المزني في كتاب أحاديث المزني: ويظهر لي من مراجعة السيرة النبوية الشريفة أن الهجرة إلى المدينة لم تكن عفوية، ولم تكن وحيا من الساعة. بل كانت خطة مدروسة تم التفكير فيها طويلا بعد أن تحول العقل إليها في اتجاه طبيعي ساعدته الحوادث..

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في البداية المسلمين الذين ضاقوا ذرعاً بما ألحقتهم بهم قريش من الأذى أن يتفرقوا في الأرض، ونصحهم بالذهاب إلى الحبشة ليكونوا آمنين من فتنة دينهم ودينهم. ليرتاحوا من العذاب الشديد الذي كانت قريش تلحق بهم حتى يأذن الله بالفرج والفرج الأكبر. والشبهة أنه أراد أن يؤمن هؤلاء المسلمون بدينهم من جهة، وأن يجعل قريش تخشى عواقب هذه الهجرة الأولى إلى الحبشة، عسى أن تؤدي إلى الاعتدال والرضا..

ومما ثبت على كل حال أن قريش انزعجت من هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، فأرسلوا إلى النجاشي رسولين بالهدايا لإقناعه بإعادة هؤلاء المهاجرين إلى مكة..

ولكن لا أظن أن هذه الهجرة إلى الحبشة كان لها غرض أبعد من ذلك. ولم يكن ذلك إلا عذرا مؤقتا وإجراء لا بد منه عندما اشتدت محنة المسلمين وألمحت قريش إلى إمكانية المساعدة والإمداد في هذا الشأن.

إلا أن بعد الحبشة واختلاف أهلها ولغتها ودينها، ثم الثورة التي سرعان ما اندلعت على النجاشي، والتي كان من أسبابها إيواؤه للمسلمين وإحسانهم، كل ذلك كان سيصرف انتباهه. من الحبشة ودعا إلى التفكير فيما هو خير لها..

كما اختلف الوضع في مكة إلى حد ما بعد أن أسلم عمر ورفض أن يتستر. وبدأ في صراع قريش ودفع المسلمين إلى الصلاة في الكعبة نفسها، وأسلم عدد غير قليل من رجال قريش. وهكذا فإن عدوان قريش في تعذيب وقتل المسلمين كما فعلوا لم يكن له أي أمل في النتيجة. نعم استمرت قريش في إيذاء المسلمين والإساءة إليهم، لكن المسلمين زادوا، وبدأ محمد يعرض نفسه للقبائل، وإن لم يحقق منفعة كبيرة، ولم تتوقف قريش عن هجماتها عليه..

لقد كبر الأمر واتسع نطاق الأمل، لكن التفكير في أمر قريش، وفي الفرج من كربتهم، وفي الوسائل التي تؤدي إلى نشر الدين بشكل أسرع من انتشاره يبقى واجبا ملحا. خاصة بعد حصار المسلمين في الناس، وانكسرت الوثيقة، ومات أبو طالب وخديجة، وكثر أذى قريش، ورفضته القبائل مما كان يدعوهم إليه في إسلامهم..

ومرت سنوات على هذا النحو. وكان من الطبيعي أن يفكر النبي صلى الله عليه وسلم في مخرج حاسم يخفف الكرب، ويزيل المحنة، ويفتح باب الأمل، ويثبت الأمر. أعتقد أنه من الطبيعي والمعقول أن يفكر في يثرب أول ما يفكر فيه، وأن يكون هذا أبرز شيء، وأول ما يتبادر إلى ذهنه، وأول ما يتبادر إلى ذهنه. طريق يثرب كان في الماضي، عندما كان يعمل في التجارة، ولم يكن طريقه فقط، بل كانت له علاقة به. وله فيها تجارة أيضاً، وبالإضافة إلى ذلك فإن له بعض الأقارب، ونقصد بهم أخوال جده من بني النجار. ويدفن فيه أبوه عبد الله بن عبد المطلب، وكانت أمه تزور هذا القبر كل سنة وهو صغير، وكانت تأخذ ابنها معها. وشاء القدر أن والدته مرضت أثناء عودتها. وفي إحدى هذه الزيارات ماتت ودُفنت على الطريق بين مكة ويثرب.


المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى