قراقوش..عمل على التنمية العمرانية وتحسين الاقتصاد.. اعرف حكايته – شعاع نيوز

وعلى مر الزمن انتشرت الحكايات عن أبرز الشخصيات التاريخية. فمنها ما يحمل سيرة متخيلة استندت بالأساس إلى حقائق تاريخية حقيقية، ومنها ما هو عكس ذلك تماما، تكتشف صحتها لاحقا، ويتبين أن ما تم تداوله وتداوله يحتوي على معلومات مغلوطة، ومن بينها تلك الحكايات هي قصة “قراقوش”. هناك مثل شعبي مشهور “حكم قراقوش” يستخدم في أوقات الشعور بالظلم. وينسب إلى الوزير بهاء الدين قراقوش. هل هذا صحيح؟

قراقوش… الذي ولد وعاش طفولته في إحدى مناطق آسيا الصغرى. تم اختطافه من عشيرته وبيعه عبداً في أسواق الشام في بداية القرن السادس الهجري.

واشترى قراقوش الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي، الذي كان أحد قادة جيش حاكم الموصل وحلب عماد الدين زنكي، الذي حمل راية الجهاد ضد الصليبيين في ذلك الوقت. ومن تلك اللحظة عرف قراقوش باسم بهاء الدين قراقوش بن عبد الله. “الأسد.”


قراقوش

ولمع قراقوش في خدمة شيركوه، وبرع في الفنون القتالية، وأظهر الوفاء، فصعد نجمه مع سيده. فحرره وجعله من أثمن رجاله. وتوطدت العلاقة بينه وبين سيده شيركوه، فأخذه معه أثناء الحملة العسكرية على مصر في ستينيات القرن السادس الهجري، وهي الحملة. مما أدى إلى تعيين شيركوه في منصب الوزير بأمر الخليفة الفاطمي “العديد بأمر الله”.

ولم يمض وقت طويل حتى توفي شيركوه فجأة، وعين ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي في منصب الوزير بدلا منه. وانتقل ولاء قراقوش إلى الوزير الجديد، وأصبح من أهم مساعديه وأقرب معاونيه، كما عين قراقوش في منصب والي القصر الفاطمي، وعين صلاح الدين في الخليفة وعائلته..

وعندما أطاح صلاح الدين بالخلافة الفاطمية سنة 567، وأعاد مصر إلى حظيرة الخلافة العباسية، كلف قرقوش مجموعة من المهام، منها السيطرة على أفراد البيت الفاطمي. إضافة إلى ذلك، قام بحصر كنوز الفاطميين الثمينة ونقلها من قصورهم، والتخلص من آلاف الكتب الموجودة في مكتباتهم، كما وثقها مشروع قصة الشارع الذي تنفذه الوكالة الوطنية للتنسيق الحضري.

ومع استقرار الأمور في مصر، واستعادة صلاح الدين الأيوبي السلطة في مصر، تفرغ قراقوش لتنفيذ مجموعة من المشاريع العمرانية المهمة، أهمها بناء سور حول القاهرة، وبناء قلعة الجبل لتصبح مركزًا للدفاع. للعاصمة. هذا بالإضافة إلى بعض المشروعات ذات الأثر الاقتصادي المهم، ومنها إنشاء قناطر الجيزة.

بهاء الدين قراقوش
بهاء الدين قراقوش

ولم يتفوق قراقوش في مجال الهندسة المعمارية فحسب، بل مارس العمل الإداري وشؤون السلطة كنائب لصلاح الدين الأيوبي في حكم مصر في الأوقات التي كان يخرج فيها لقتال الصليبيين في الشام. ومن ناحية أخرى، قاد بهاء الدين بعض الحملات العسكرية المهمة، منها حملته عام 571، على برقة الواقعة غرب مصر، حيث تمكن من التوغل داخل البلاد الليبية وتوسيع مساحة الدولة الأيوبية..

ونظرًا لكفاءة قراقوش ومهاراته المتعددة، عينه صلاح الدين واليًا على عكا، بعد انتزاعها من أيدي الصليبيين. ثم قام قراقوش بتحصين المدينة وتعزيز أسوارها، لكن ذلك لم يمنع من وقوعها في أيدي قوات الحملة الصليبية الثالثة، وتم أسر قراقوش نفسه، حتى تم أسره. أطلق سراحه عام 588 بعد أن دفع صلاح الدين الفدية. ففرح به السلطان كثيراً، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين. واستأذن في السير إلى الشام لجمع أموال إقطاعيته فأذن له..

ولما مات صلاح الدين الأيوبي، ظل قراقوش مخلصًا لابنه العزيز، حاميًا عرش مصر والشام. ثم كان وصياً على عرش المنصور، ومارس جميع مهام السلطنة بهذه الصفة، حتى أعفاه منها الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي..

وبعد إعفاء قراقوش من جميع مهامه ومناصبه، بقي في بيته حتى توفي سنة 597هـ/1201م.

قراقوش في الثقافة الشعبية المصرية

بنيت السيرة الشعبية لقرقوش على ثلاثة كتب شهيرة كتبت في أوقات مختلفة، وتداولت بين الجمهور، حتى تمكنت من تغيير الصورة التاريخية الإيجابية لقرقوش بشكل كامل..

وأول هذه الكتب “الفاشوش في حكم قراقوش” للأديب القبطي الأسعد بن ماماتي. كان ابن ماماتي رئيساً لديوان الجيش والمالية، ومن كبار رجال الدولة في عهد صلاح الدين الأيوبي. أما الكتاب الثاني فهو “فاشوش في أحكام وحكايات قراقوش” لجلال الدين السيوطي، والكتاب الثالث هو “الأسلوب المنقوش في حكم السلطان قراقوش” لمؤلف مجهول نعرف عنه لا شئ..

إن كلمة الفاشوش، التي استخدمها كل من ابن ماماتي والسيوطي في تسمية كتبهما عن قراقوش، تعني “ضعف الرأي والعزيمة”، وهو معنى يتوافق تمامًا مع محتوى الكتابين، مما يرسم صورة بالغة الحماقة. وصورة غبية لقرقوش..

وتضمنت الكتب الثلاثة ما يقرب من ثلاث وعشرين قصة عن قراقوش وأحكامه وتصرفاته السخيفة والمدهشة. وسرعان ما انتشرت هذه القصص والحكايات وأصبحت متكررة في الثقافة الشعبية المصرية..

أسباب انتشار الصورة السلبية عن قرقوش

هناك عدد من التفسيرات التي عملت على توضيح أسباب ظهور وانتشار الصورة السلبية لقرقوش في الثقافة المصرية الشعبية.

أول هذه التفسيرات هو أن هذه السيرة المتخيلة استندت بالدرجة الأولى إلى حقائق تاريخية حقيقية، وأن كلا من ابن ماماتي والسيوطي نقلا تلك الحقائق دون مبالغة أو تزوير..

إلا أن ادعاءات ابن ماماتي والسيوطي يمكن دحضها وردها بناءً على أقوال العديد من المؤرخين الذين أكدوا على ذكاء قراقوش وذكائه، ومنهم ابن خلكان في “وفيات الأعيان” وابن العماد الحنبلي في كتابه «شظايا الذهب» الذي بنى دفاعه عن قراقوش على ثقة صلاح الدين به ومنحه العديد من المناصب الكبرى في الدولة، وهو أمر يستحيل أن يتولاه أحمق أو غبي..

أما التفسير الثاني فهو الذي يرى أن ابن ماماتي وجلال الدين السيوطي هما من أهان قراقوش وأهانهما، وأنهما يتحملان بشكل خاص مسؤولية تشويه صورة الوزير الأيوبي الذي صنع عظيما. الجهود الحضرية والإدارية..

ويرى هذا الرأي أن لدى كل من المؤرخين أسباباً وجيهة لربط هذه الاتهامات بقرقوش. أما ابن ماماتي فقد شعر بالتنافس والحسد مع قراقوش، فكلاهما كانا من كبار رجال الدولة الأيوبية، وكان هناك تنافس بينهما على نيل الحظوة والمكانة لدى السلطان صلاح الدين. أما السيوطي فكان يعبر عن شعور المصريين المتزايد بالغضب والسخط والغضب من المماليك الأتراك الذين كانوا ينهبون ثرواتهم ويعاملونهم بالتعسف. ومن هنا، فإن السخرية من قراقوش التركي والسخرية منه حملت دلالات سياسية اجتماعية أكدت شعور المصريين بالظلم..

وهناك من يرى أن ما أشاع عن حكم قراقوش وظلمه كان بمثابة مبالغة في الشدة والحزم الذي عرف به في جمع العمال المصريين وتوظيفهم من أجل بناء المشاريع العمرانية الضخمة التي أقيمت في عهده، خاصة حيث أن معظم هذه المشاريع تم تنفيذها عن طريق السخرة، وكان العديد منها يموت من العمال بسبب الإرهاق وسوء التغذية.

كما يرى البعض أن ابن مماطي لم يكن يستهدف بهاء الدين قراقوش على وجه التحديد بما كتبه، بل كان يقصد الإشارة إلى العيوب والنقائص في النظام الإداري للدولة، وبما أن قراقوش ترأس هذا النظام، بحكم منصبه ممثل صلاح الدين الأيوبي في مناسبات عديدة، وقد تم تصويره في الكتاب على أنه المسؤول. عن شرور كثيرة كالرشوة والغضب والمحسوبية والغباء والعناد، وكان الهدف الحقيقي من وراء كل ذلك هو تصحيح تلك الشرور والحد من انتشارها.


المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى